د. اياد يوسف
رئيس اللجنة التنفيذية المشرفة على الإطار العام لعمل الاتحادات الرياضية الفلسطينية
من موقعي في اللجنة التنفيذية للإطار العام للرياضة الوطنية الفلسطينية، وعضويتي في لجنة الإشراف والمتابعة والرقابة العليا على الرياضة الفلسطينية، أرى من المهم أن أتكلم بصراحة وواقعية عن واقع الرياضة الفلسطينية، كثيرون يتحدثون من بعيد، لكن من يعيش التفاصيل يومياً يعرف أن الصورة ليست بسيطة، في السنوات الأخيرة بدأنا فعلاً ننتقل من مرحلة العمل الفردي إلى مرحلة أكثر وضوحاً وتنظيماً، عنوانها التخطيط والحوكمة والشفافية.
إطلاق الإطار العام للرياضة الفلسطينية في الجامعة العربية الأمريكية لم يكن حدثاً رمزياً عابراً بل خطوة وطنية راسخة تمثل انطلاقة مشروع شامل لتطوير الرياضة الفلسطينية وبنائها على أسس علمية ومؤسسية متينة، فمن هذا الإطار انبثقت لجان متخصصة تتولى متابعة أداء الاتحادات الرياضية الفلسطينية، والإشراف على عملها لضمان النزاهة والكفاءة والالتزام بالمعايير الحديثة، ويجري العمل حالياً على إعداد نظام رياضي وطني متكامل، يجمع بين الأبعاد الفنية والإدارية والقانونية والرقابية، ليكون بمثابة خارطة طريق واضحة للنهوض بالمنظومة الرياضية الفلسطينية في مختلف مستوياتها.
وفي ختام هذا العام، ستقدم نتائج عمل اللجنة التنفيذية للإشراف والرقابة على الاتحادات الرياضية إلى سيادة الفريق جبريل الرجوب، في خطوة تهدف إلى ترسيخ العمل المؤسسي وتوحيد الجهود ضمن رؤية وطنية واحدة، صحيح أن واقعنا صعب ومليء بالتحديات، لكن الإنجاز في ظل الصعوبات هو أسمى أشكال النجاح، أن نواصل العمل والتطوير رغم الاحتلال والحصار وقلّة الموارد، فذلك دليل على إرادة لا تلين، وعزيمة لا تعرف المستحيل وهي الروح التي تنهض بها الرياضة الفلسطينية.
الرياضة الفلسطينية اليوم ليست عشوائية كما يظن البعض، بل تعمل وفق نظام مؤسسي منظم، مرتبط بالمجلس الأعلى للشباب والرياضة واللجنة الأولمبية الفلسطينية. هناك لوائح حديثة، ولجان متخصصة، وأطر واضحة للمساءلة، نموذج الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم مثال على ذلك. لم يعد مجرد هيئة تدير بطولات، بل مؤسسة وطنية بكل معنى الكلمة، لديها نظام معتمد من الفيفا والاتحاد الآسيوي، وتضم دوائر متخصصة في التحكيم والتطوير والمسابقات والقانون.
وفي سياق ترسيخ العدالة والنزاهة في العمل الرياضي، تأسست الهيئة الوطنية الفلسطينية للتحكيم الرياضي بقرار من المكتب التنفيذي للجنة الأولمبية الفلسطينية ومصادقة جمعيتها العمومية، لتكون المرجعية القانونية العليا في الرياضة الفلسطينية، يرأسها معالي الدكتور محمد الأحمد، قامة وطنية قانونية تطوعت لخدمة الوطن، ويعاونه نخبة من القضاة والخبراء القانونيين والأكاديميين الذين يعملون بروح وطنية لترسيخ قيم العدالة واستقلال القرار الرياضي.
وتعمل الاتحادات الرياضية الفلسطينية اليوم ضمن أنظمة ولوائح معتمدة محليًا ودوليًا، ما يعكس تطور البنية المؤسسية واستقرار العمل الرياضي الوطني، ومن الجدير بالذكر أن غالبية رؤساء وأعضاء إدارات الاتحادات الرياضية هم من حملة أعلى الدرجات العلمية، ما يضفي على العمل الرياضي طابعًا مهنيًا قائمًا على الكفاءة والمعرفة الأكاديمية، ويعزز من قدرة المؤسسات الرياضية على التخطيط والإدارة بأسلوب علمي ومنظم.
في المقابل، يجب أن نعترف أن هناك إنجازات واضحة على المستويين الفردي والجماعي في عدد من الاتحادات، سواء في كرة القدم أو التايكواندو أو الكاراتيه أو الرياضة النسوية، وهذا أمر نفخر به جميعاً. لكننا نقر أيضاً أن بعض الاتحادات تحتاج إلى دعم ومساندة لتنهض وتتطور، وهذا ما يؤكد عليه دائماً الفريق جبريل الرجوب، الذي يحرص على تصنيف الاتحادات وفق واقعها وقدراتها، بين اتحادات قادرة على المنافسة، وأخرى يجب أن نأخذ بيدها ونساعدها لتصل، واتحادات تحتاج إلى مراجعة شاملة. هذه هي الحقيقة التي نعيشها، ولا أحد ينكرها. كما لا يمكن تجاهل أن معظم العاملين في هذه الاتحادات هم متطوعون، يعملون بدافع الانتماء والواجب الوطني، يقدمون وقتهم وجهدهم دون مقابل. لذلك من السهل أن نكتب منشوراً على وسائل التواصل، لكن من الصعب أن نعمل على الأرض. من يريد المساهمة فالميدان مفتوح للجميع، والباب لا يُغلق في وجه أحد، أما الهجوم من بعيد فلا يغيّر شيئاً.
الرياضة الفلسطينية اليوم ليست في أزمة كما يُقال أحياناً، بل في مرحلة نضوج وتطور، نحن نسير بخطى ثابتة نحو المأسسة رغم كل الصعوبات. قد نخطئ ونتعثر، لكننا نواصل العمل بإيمان بأن الرياضة الفلسطينية هي جزء من مشروع وطني أكبر، مشروع حياة في وجه الموت، ومشروع أمل في وجه اليأس. من يعمل في الرياضة في فلسطين يعرف أنها ليست وظيفة، بل رسالة وطنية، ومن يعيش تفاصيلها يدرك أنها ليست مجرد نشاط، بل مساحة مقاومة وصمود. لهذا أقول بثقة: الرياضة الفلسطينية بخير، لأنها تقوم على الإيمان والعمل، لا على الكلام.