
بقلم: أماني رامية .
صباح كل يوم؛ أنهض عند أطراف الفجر، ألملم خيوط نور الفجر الأولى من عيني ابنتي الصغيرة، فمن عينيها تكون الصباحات والبدء. أحاول عند النظر إليها تأجيل التفكير بكل ما يمكن أن يشيع الضباب على لحظتنا كأم وابنتها، إنني آملُ الكثير من أجلها ولأجلها أقطع الحواجز اليومية باتجاه عملي بدائرة الإعلام في اللجنة الأولمبية الفلسطينية برام الله، أنا المقيمة في بلدة الزاوية في محافظة سلفيت .
أحاول استعارة الأمل والصبر وزادي من الرغبة في مواجهة العالم الذي يحيط بي من ابنتي التي تجهل أنها تقيم في بلدة يأكل التوسع الاستيطاني الإسرائيلي أطرافها يوماً بعد يوم.
أجدني مع خطوات النهار الأولى في مواجهة مع الحواجز العسكرية الإسرائيلية في الطريق المؤدي إلى مكان عملي، تشتعل في داخلي الكثير من المنولوجات وأنا أقف بانتظار المجندة الإسرائيلية التي أتت من أصقاع الأرض، لوعد الحياة في أرض أجدادنا على جثثنا نحن أبناء البلاد.
أفكر قليلاً بابنتي ماذا سيكون مصير جيلها، كيف ستفكر فيما حولها ومعول الظلم الذي تحمله سلطات الاحتلال يضرب بنا ضرب عشواء.
لا تهدأ براكيني الداخلية على امتداد الطريق، كيف تحولت قمم جبالنا مراتع للمستوطنين والمستوطنات الإسرائيلية، كيف حدث كل هذا ومتى وأين من أورثنا كل هذه الهزائم، من غرس في جسد الوطن كل هذه الطعنات الغادرة، وما الذي بإمكاني أن أُجيب به ابنتي سيلين حين تسألني لماذا يتحكمون بمصائرنا، لماذا يلغون حياتنا بمجرد فكرة عنصرية تمييزية.
كيف سأشرح لها كابوس الرعب الذي أرهقني عندما اقترب موعد ولادتها، وكنت خائفة أن تعطلني الحواجز المصفوفة على مدار طريقنا للمشفى عن ولادتها بسلامة، وأنا أجلس ساعتين متواصلتين بالمركبة وفي أحشائي جنيني وأعمل لمدة سبع ساعات في مجال الإعلام الرياضي، ثم أعود للمنزل لأستغرق في الطريق ساعتين اضافيتين، فعلا هذا ما تريده سلطات الاحتلال، أن ترهقنا عيشنا فيضيع يومنا في الطرقات، اهدار شبابنا على عتبة الحواجز، حتى الأجنة في أرحام أمهاتهم يشعرون بالأرق من هول التعب وخضخضة الطرق الالتفافية، وكم من امرأة فلسطينية جاءها المخاض ووضعت حملها أثناء الطريق او على الحواجز العسكرية الاسرائيلية نتيجة للإغلاقات واحتجاز المركبات الفلسطينية لوقت طويل ومنع مرورها في الأرض الفلسطينية المحتلة .
مؤخرافي العدوان الذي شنته قوات الاحتلال على قطاع غزة، قبيل عيد الفطر واستمر لأحد عشر يوماً، مستهدفاً المدنيين العزل، ومن ضمنهم العديد من الأفراد المنتمين للأسرة الرياضية الفلسطينية، أسفرت الهجمة المسعورة للاحتلال على أبناء شعبنا الفلسطيني، عن ارتقاء 6 رياضيين شهداء، وهم محمد صابر سليمان لاعب كرة قدم في نادي النماء، ادم محمد الفرعاوي لاعب تايكواندو في نادي شمس ، معاذ الزعانين لاعب كرة قدم في اتحاد بيت حانون، أسامة الزبدة لاعب كرة قدم سابقا في نادي المشتل الرياضي، وائل عيسى نائب رئيس في نادي شباب البريج، عبد الرحمن صبح لاعب جوجيستوفي نادي شباب غزة .
وطالت اعتداءات الاحتلال الغاشمة تدمير وتضرر أكثر من 5 منشآت رياضية ما بين أندية وصالات متعددة الأغراض، بالإضافة إلى أضرار ودمار كبير في عدد من منازل الرياضيين من لاعبين ومدربين وإداريين.
تفوح رائحة الياسمين كلما علا صوت زغاريد في سماء فلسطين، يا ناس زفوا هل عريس زفوه بعلم فلسطين والطرحة زفوا شهيد الفرحة، نعم إنه العريس أحمد مصطفى عريقات (26 عاماً) والذي استقل سيارته مسرعا في يوم زفاف شقيقته، لإحضار أمه وأخته من صالون التجميل، وإذ أطلق جنود الاحتلال الإسرائيلي الموجودون على حاجز الكونتينر العسكري المقام شمال مدينة بيت لحم جنوبي الضفة الغربية، رصاصة غدر استهدفت الشهيد عريقات، واستقرت بجسده إلى أن نزف دمه دون شفقة أو رحمة، وأصبح العريس شهيداً في يوم زفاف شقيقته، وتوقف حلمه المنشود، وكان من المنتظر أن يزف هو الآخر إلى عروسه بعد عدة أيام، إلا أن العرس تحول إلى مأتم، وزينت طرحة عروسه على باب منزله في أبوديس مستقبلة إياه ليزف شهيدا إلى جنات النعيم.
بكل بساطة تنتهي على هذه الطرق في لحظة ما أحلامنا وتسرق ضحكاتنا، ويلقى بآمالنا وأحلامنا في مهب الريح، فكم من مرة تمنيت أن أتعلم قيادة السيارة ويكون لدي مركبتي الخاصة دون أن أضطر لتكبد عناء المواصلات الشاق، والانتظار في الحافلة لعدة ساعات، ولكن تتلاشى أمنيتي كلما نظرت حولي ووجدت أن أفاعي الحواجز المسمومة بالحقد يمكن أن تبتلعني، ناهيك عن أن كل القرى الفلسطينية محاطة بطرق المستعمرات الإسرائيلية، فماذا لو اضطررت الى تبديل إطار السيارة أو حدث عطل فيها، فمن المحتمل أن يلقي المستوطنون الحجارة علينا أو تنهال علينا رصاصات الحقد.
وأقول في نفسي يا الله في كل بيت فلسطيني قصة ألم مع هذا الاحتلال، ورغم ذلك مازال حب الحياة موجودا في قلوبنا نحن الشباب، نقتلعه من جذور الصبر ونحيك الأمل في عنان السماء، كالنجوم نضيء أينما حللنا، فلسطينيون ونفتخر، ويا ليتنا كالطيور نحلق فوق هذه الحواجز الإسرائيلية ونسافر ونتجول داخل وخارج وطننا بحرية.
أستيقظ من وقع هواجسي وبراكيني الداخلية على صوت المجندة الإسرائيلية وهي تشير لمركبتنا بكلمة "كاديما" العبرية والتي تعني تقدموا إلى الأمام.
على امتداد ما تبقى لي من طريق أحاول إعادة شحن روحي وعاطفتي كأم فلسطينية بالأمل، أُخرج من حقيبة يدي هاتفي المحمول وأعيد النظر إلى وجه ابنتي، ولا أعلم لماذا رغم ضحكاتها المستبشرة أراها معاتبة لائمة من جديد، من أوصلنا يا أماه لأن نكون سجناء ورهائن على أرض الأجداد؟